الإمبراطورية البريطانية

  

الإمبراطورية البريطانية
علم المملكة المتحدة   شعار المملكة المتحدة  

 

الأرض والسكان
عاصمة لندن  
اللغة الرسمية الإنجليزية  
التعداد السكاني 480000000 (1922) 
الحكم
نظام الحكم ملكية دستورية  
التأسيس والسيادة
التاريخ
تاريخ التأسيس 1497 
العملة جنيه إسترليني  

شملت الإمبراطورية البريطانية (بالإنجليزية: British Empire) على دول ذات سيادة خاضعة لتاجها ومستعمرات ومحميات ودول تحت الإنتداب وغيرها من الملحقات حكمتها أو أدارتها المملكة المتحدة أو الدول التي سبقتها. وقد برزت الإمبراطورية البريطانية مع ظهور ممتلكات [الإنجليزية] ومحطات تجارية أسستها مملكة إنجلترا بين أواخر القرن 16 وأوائل القرن 18. وعدت في ذروتها أنها أضخم امبراطورية في تاريخ العالم حتى الآن، وكانت لأكثر من قرن القوة العالمية الأولى[1]. وبسطت سلطتها في سنة 1913 على تعداد سكاني يقارب 412 مليون شخص أي حوالي 23% من سكان العالم في ذلك الوقت[2]، وغطت في سنة 1920 مساحة 35,500,000 كـم2 (13,700,000 ميل2)[3] أي تقريبا 24% من مساحة الكرة الأرضية[4]. ونتيجة لذلك، فإن إرثها السياسي والقانوني واللغوي والثقافي منتشر على نطاق واسع. وبسبب اتساع حجمها في أوج قوتها استخدمت عبارة "الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس" في كثير من الأحيان لوصف الإمبراطورية البريطانية، لأن امتدادها حول العالم يعني أن الشمس كانت دائما مشرقة على أراضيها.

خلال عصر الاستكشاف التي بدأت أواخر القرن الخامس عشر كانت البرتغال واسبانيا رائدة في استكشاف أوروبا للكرة الأرضية، مما أدى إلى عملية إنشاء إمبراطوريتين ضخمتين في الخارج. وحسدا من الثروة الكبيرة التي ولدت تلك الإمبراطوريات[5] بدأت انكلترا وفرنسا وهولندا في إنشاء مستعمرات وشبكات تجارية خاصة بهم في الأمريكتين وآسيا[6]. ولكن استمرار الحروب بين هولندا وفرنسا في القرنين 17 و18 ترك إنجلترا ومن بعدها الاتحاد إنجلترا واسكتلندا [الإنجليزية] في 1707 التي انشأت بريطانيا العظمى هي القوة الاستعمارية المهيمنة في أمريكا الشمالية، ثم أصبحت القوة المهيمنة في شبه القارة الهندية بعد غزو شركة الهند الشرقية للمغول البنغال [الإنجليزية] في معركة بلاسي سنة 1757.

أدى استقلال المستعمرات الثلاث عشرة في أمريكا الشمالية 1783 بعد حرب الاستقلال الأمريكية إلى فقدان بريطانيا لبعض أقدم وأكثر مستعمراتها اكتظاظا بالسكان. وسرعان مابدأ اهتمام بريطانيا يتجه نحو آسيا وأفريقيا والمحيط الهادئ. فبعد هزيمة فرنسا في حروبها الثورية والنابليونية (1792-1815) عظمت قوة بريطانيا البحرية والإمبريالية في القرن 19[7] فأضحت القوة التي لاتقهر في البحر. حتى أنه وصفت تلك الهيمنة "بالسلام البريطاني" (بالإنجليزية: Pax Britannica) وهي فترة من السلام النسبي في أوروبا والعالم (1815-1914) أصبحت خلالها الإمبراطورية البريطانية المهيمنة دوليا واتخذت دور شرطي العالم[8][9][10][11]. ثم بدأت الثورة الصناعية بتحويل بريطانيا أوائل القرن 19، حيث وصفت البلاد في المعرض الكبير [الإنجليزية] سنة 1851 بأنها "ورشة عمل عالمية"[12]. وقد توسعت الإمبراطورية البريطانية لتشمل معظم الهند ومناطق أفريقية كبرى وأجزاء عديدة من أنحاء العالم. فإلى جانب سيطرتها التقليدية على مستعمراتها فإن سيطرتها القوية على التجارة العالمية يعني أنها تهيمن فعليا على اقتصادات العديد من مناطق العالم مثل آسيا وأمريكا اللاتينية[13][14].

كانت بريطانيا دائما ترغب في مواقفها السياسية بالتجارة الحرة والحرية الاقتصادية والتوسع التدريجي في حق الامتياز. فعندما زاد عدد سكان بريطانيا بمعدل مفاجئ خلال القرن ال19 مصحوبا بالتمدن السريع تسبب ذلك في ضغوط اجتماعية واقتصادية كبيرة[15]. ولإيجاد أسواق ومصادر جديدة للمواد الخام شن حزب المحافظين في عهد بينجامين دزرائيلي حقبة جديدة من التوسع الإمبريالي على مصر وجنوب أفريقيا وأماكن أخرى. وأصبحت كندا وأستراليا ونيوزيلندا لها سيادة الحكم الذاتي[16].

ومع دخول القرن ال20 بدأت ألمانيا والولايات المتحدة بمنافسة بريطانيا في قيادة الاقتصاد العالمي. وبدأت التوترات العسكرية والاقتصادية بالظهور بين بريطانيا وألمانيا وهي من الأسباب الرئيسة للحرب العالمية الأولى التي اعتمدت خلالها بريطانيا اعتمادا كبيرا على امبراطوريتها. وقد ضغطت تلك الحرب ضغطا هائلا على الموارد العسكرية والمالية والقوى البشرية في بريطانيا. ومع أن الإمبراطورية البريطانية استحوذت على أكبر قدر من الأراضي بعد الحرب العالمية الأولى إلا أنها لم تعد القوة الصناعية أو العسكرية الأولى في العالم. وفي الحرب العالمية الثانية احتلت اليابان مستعمرات بريطانيا في جنوب شرق آسيا. وبالرغم من أن بريطانيا وحلفائها قد انتصروا في تلك الحرب إلا أن الأضرار التي لحقت بهيبة بريطانيا قد عجلت من وتيرة انكماش الإمبراطورية واضعافها. فالهند التي هي أغنى مستعمرات بريطانيا وأكثرها اكتظاظا بالسكان نالت استقلالها في جزء من حركة أكبر لإنهاء الاستعمار، فمنحت بريطانيا الاستقلال لمعظم مستعمراتها. واعتبرت عملية نقل هونغ كونغ إلى الصين سنة 1997 عند العديد من المؤرخين نهاية الإمبراطورية البريطانية[17][18][19][20]. ولا يزال هناك 14 إقليما عبر البحار تحت السيادة البريطانية.

انضمت العديد من المستعمرات البريطانية السابقة بعد استقلالها إلى رابطة دول الكومنولث. والمملكة المتحدة هي واحدة من 16 دولة من دول الكومنولث، وهي مجموعة تعرف بشكل غير رسمي بعالم الكومنولث التي تساهم فيها الملكة إليزابيث الثانية.

البدايات (1497–1583)

بداية ظهور الإمبراطورية البريطانية كان قبل وحدة إنجلترا واسكتلندا، بعد نجاح إمبراطوريتي إسبانيا والبرتغال في الاستكشافات البحرية، بدأت سياسة البحرية الإنجليزية بفتح خطوط جديدة لتجارة الصوف. فأنشأ الملك هنري السابع نظاما حديثا للتجارة البحرية البريطانية، حيث أمر ببناء أول حوض جاف في بورتسموث فساهم ذلك في ازدياد أعداد السفن وحسن من الملاحة في الجزيرة فتطورت البحرية الملكية الصغيرة بقوة، فتمكنت من بناء مؤسسات تجارية لعبت دورا هاما في البحار مثل شركة خليج ماساتشوستس وشركة الهند الشرقية البريطانية. وكان ذلك لحماية المصالح التجارية الإنجليزية وفتح طرق جديدة، فضاعف الملك هنري الثامن عدد السفن الحربية ثلاثة مرات وامدها بالأسلحة الثقيلة طويلة المدى. وبنى قوته البحرية خلال الجهاز الإداري المركزي للمملكة. كما قام ببناء الأحواض والمنارات التي سهلت الملاحة الساحلية.

وفي سنة 1496 كلف هنري السابع الرحالة جون كابوت لقيادة رحلة لاكتشاف طريق إلى آسيا عبر شمال الأطلسي[6]، فأبحر كابوت سنة 1497 أي بعد خمس سنوات من الاكتشاف الأوروبي لأمريكا فبلغ يابسة سواحل نيوفاوندلاند، حيث اعتقد خطأ (حاله حال كريستوفر كولومبوس) أنه قد وصل إلى آسيا[21]، ولم يكن في ذلك الوقت أي نية لإستكشاف مستعمرة. ثم قاد كابوت رحلة أخرى إلى الأمريكتين في العام التالي ولكنها فقدت ولم يسمع عن سفنه مرة أخرى بعد ذلك[22].

لم تبذل أية محاولات أخرى لإنشاء مستعمرات إنجليزية في الأمريكتين حتى عهد الملكة إليزابيث الأولى في العقود الأخيرة من القرن 16[23]. وفي غضون ذلك فإن النظام الأساسي لضبط الطعون لسنة 1533 أعلن "أن ملكية إنجلترا أضحت إمبراطورية"[24]. فانتقل الإصلاح البروتستانتي لاحقا أن جعل انكلترا وإسبانيا الكاثوليكية أعداء ألداء[6]. وفي سنة 1562 شجع التاج الإنجليزي قراصنتها جون هوكنز وفرنسيس دريك على شن هجمات ضد تجارة الرقيق للسفن الإسبانية والبرتغالية قبالة ساحل غرب أفريقيا[25] بهدف كسر تجارة العبيد عبر الأطلنطي. إلا ان تلك المحاولات قد اوقفت مع تكثيف حرب إنجلترا وإسبانيا حيث شجعت إليزابيث الأولى مواصلة غارات القراصنة ضد موانئ إسبانيا في الأمريكتين وأسطول المال الاسباني الذي كان يعبر المحيط الأطلسي محملا بكنوز العالم الجديد[26]. وفي الوقت نفسه بدأ الكتاب المؤثرون مثل ريتشارد هاكلوت وجون دي (هو أول من استخدم مصطلح "الإمبراطورية البريطانية"[27]) بالضغط من أجل إنشاء إمبراطورية إنجلترا نفسها. وفي ذلك الوقت أضحت إسبانيا القوة المهيمنة في الأمريكتين واستكشاف المحيط الهادئ، وأنشأت البرتغال مراكز تجارية وحصونا على سواحل أفريقيا والبرازيل إلى الصين، وبدأت فرنسا بالإستيطان في منطقة نهر سانت لورانس التي سميت لاحقا فرنسا الجديدة[28].

مزارع أيرلندا

بالرغم من أن إنجلترا كانت متخلفة في إنشاء مستعمرات في الخارج مقارنة مع القوى الأوروبية الأخرى إلا أنها ساهمت في القرن 16 بضخ البروتستانت من إنجلترا واسكتلندا إلى مستوطنة أيرلندا استنادا إلى سوابق يعود تاريخها إلى غزو نورمان لأيرلندا [الإنجليزية] سنة 1169[29][30]. وانخرط العديد من الناس في هذه المشاريع فكان لهم يدا بتكوين أوائل المستعمرات في شمال أمريكا. ومنهم مجموعة من أثرياء العهد الإليزابيثي في انكلترا ممن شجع على الاستعمار الإنجليزي في ايرلندا والهجمات على الإمبراطورية الإسبانية والتوسع الاستعماري في الخارج. وشملت المجموعة همفري جيلبرت ووالتر رالي وفرانسيس دريك وريتشارد غرينفيل وجون هوكنز ورالف لين[31]. ونشأ معظمهم في أقصى جنوب غرب بريطانيا المعروفة باسم الريف الغربي المرتبطة بموانئ ديفون البحرية ومنها بليموث.

الإمبراطورية البريطانية الأولى (1583–1783)

عهد إليزابيث الأولى

عد عهد إليزابيث الأولى (1577-1590) فترة العظمة التي بدأت بها الإمبراطورية البريطانية. فتوسعت إنجلترا عبر البحار مع السير جون هوكنز ثم مع السير فرانسيس دريك الذان شنا العديد من الحروب ضد إمبراطورية فيليب الثاني الإسبانية. وقد أبحر دريك حول العالم وهو ثاني شخص طاف الأرض بعد فرناندو ماجلان وخوان سباستيان إلكانو. وقد رسى دريك في مكان ما شمال كاليفورنيا سنة 1579 والحقها بالتاج الإنجليزي وأسماها ألبيون الجديدة [الإنجليزية] (بالإنجليزية: New Albion) بالرغم من أن ادعائه لم يعطي أي اهمية حيث أثبتت الخرائط التالية انها تقع شمال إسبانيا الجديدة.

ازداد اهتمام إنجلترا تدريجيا بما هو خارج أوروبا. فمنحت إليزابيث الأولى سنة 1578 امتياز الإستكشاف عبر البحار لهمفري جيلبرت[32]. فأبحر في نفس السنة إلى منطقة الكاريبي بقصد المشاركة في أعمال القرصنة وإنشاء مستعمرة إنجليزية في أمريكا الشمالية، ولكن حملته فشلت قبل عبورها المحيط الأطلسي[33][34]. ثم شرع في محاولة ثانية سنة 1583 وكانت صوب جزيرة نيوفاوندلاند حيث ادعى رسميا ان ميناؤها خاضع لانجلترا بالرغم من أنه لم يترك أي مستوطنين فيها. لم يتمكن جيلبرت من النجاة في رحلة العودة إلى بلاده، فخلفه أخيه غير الشقيق والتر رالي الذي حصل على امتياز خاص به من الملكة إليزابيث في 1584. فأسس في نفس السنة مستعمرة روانوك على سواحل كارولاينا الشمالية حاليا، ولكن نقص الإمدادات وقساوة الطقس وتحطم السفن والمواجهات العنيفة مع الهنود الحمر تسبب في عدم استمرار المستعمرة[35].

وفي سنة 1587 بدأ فيليب الثاني ملك إسبانيا بإعداد خطة لغزو إنجلترا بارسال اسطوله أرمادا الإسباني المنيع ومعه فرق الأثلاث الاسبانية [الإنجليزية] من هولندا، في حين عززت إليزابيث بحرية مملكتها. فهاجم دريك في 1587 ميناء قادس ودمر عدة سفن مما أخر من تجهيز الأرمادا حتى 1588. ومع ذلك فقد فشل اسطول أرمادا البحري في غرضه بغزو إنجلترا بسبب سوء الاحوال الجوية والحصار الهولندي والمقاومة الإنجليزية. انعش الانتصار على الأرمادا حماس الملكة إليزابيث بأنه لن يكون هناك أي خشية من غزو فرق الأثلاث الإسبانية. لكن الجو في انكلترا بعد المعركة لم يكن له جلبة الحماس الوطني والاحتفالات لفشل الغزو الاسباني. وبالإضافة إلى ذلك فقد حاولت الملكة إليزابيث في العام التالي 1589 استغلال ميزة فشل الارمادا الاسباني على سواحل إنجلترا فأرسلت أسطولها الخاص (المسمى الأرمادا الإنجليزي) ضد الممتلكات الاسبانية. ولكنه انتهى به الأمر أيضا بكارثة. ففقد الكثير من سفنه وقوته، بالإضافة إلى أن تكاليف الحملة قد ارهقت الخزانة الملكية لإليزابيث التي جمعتها بصبر خلال فترة حكمها الطويل.

حقبة الستيوارت

ربما تكون هزيمة أرمادا الاسباني في 1588 قد كرس إنجلترا بانها قوة بحرية، ولكن الحقيقة هي أنه بعد هزيمة الأرمادا الإنجليزي استمرت اسبانيا بوصفها الإمبراطورية المهيمنة على البحار. لذا فعندما ارتقى جيمس السادس ملك اسكتلندا العرش الإنجليزي سنة 1603 (بإسم جيمس الأول) بدأ في سنة 1604 بمفاوضات مع إسبانيا لإنهاء الأعمال العدائية بينهما فانتج عنها معاهدة لندن [الإنجليزية] للسلام مع منافسه الرئيسي. فبدأ الإنجليز بالتحول من الاستيلاء على البنى التحتية الاستعمارية للدول الأخرى إلى الإهتمام بالأعمال التجارية لإنشاء مستعمراتها الخارجية[36]. فأنشئوا أول مستوطنة دائمة لهم في أمريكا سنة 1607 في جيمس تاون فرجينيا.

فبدأت الإمبراطورية البريطانية بالتشكل أوائل القرن 17 وذلك بالاستيطان في أمريكا الشمالية وجزر الكاريبي الصغيرة وإنشاء شركات مساهمة أبرزها شركة الهند الشرقية لإدارة مستعمراتها وتجارتها الخارجية. وقد أشار بعض المؤرخين اللاحقين إلى بداية تلك الفترة وحتى فقدان المستعمرات الثلاثة عشر بعد حرب الاستقلال الأمريكية نهاية القرن 18 باسم "الإمبراطورية البريطانية الأولى"[37]. ولكن السياسة الإمبريالية عبر البحار قد توقفت مؤقتا بسبب سلسلة من المشاكل الداخلية: الحرب الأهلية (1642-1645)، الجمهورية ومحمية [الإنجليزية] كرومويل (1649-1660) وما أعقب ذلك من عودة الملكية، واستمرار الاقتتال بين الكاثوليك والبروتستانت. لم تتمكن المملكة من استعادة الاستقرار الداخلي إلا بعد الثورة المجيدة سنة 1688.

وفي سنة 1695 منح برلمان اسكتلندا ميثاقا تأسيسيا لشركة اسكتلندا. فأنشئت مستوطنة ومحطة تجارية على برزخ بنما سنة 1698. لكنهم أضحوا محاصرين من جيرانهم الاسبان في مستعمرة غرناطة الجديدة [الإنجليزية] وتعرضوا أيضا للإصابة بالملاريا، مما أجبرهم لهجر المستعمرة بعدها بعامين. وكان مشروع دارين كارثة مالية لاسكتلندا -خسرت اسكتلندا ربع رأس مالها[38] في ذلك المشروع- وانتهت آمال الاسكتلنديين في تأسيس إمبراطورية لهم. كما كان لذلك الحدث نتائج سياسية كبيرة، حيث أقنع حكومات كل من إنجلترا واسكتلندا بمزايا وحدة البلدين بدلا من أن تكون مجرد تيجان[39]. فجرى في 1707 معاهدة الاتحاد بين الطرفين وإنشاء مملكة بريطانيا العظمى ذات برلمان موحد. فوسعت بريطانيا نفوذها الدولي وعززت سياسيتها الداخلية على مدى القرون الثلاثة التالية. ففي سنة 1704 خلال حرب الخلافة الإسبانية استولت على جبل طارق فاعترفت اسبانيا بالحيازة البريطانية في معاهدة أوتريخت 1713 التي أنهت الحرب. وقد تنازلت اسبانيا بالكامل عن الصخرة لمملكة بريطانيا العظمى دون أي ولاية قضائية بشرط أن لإسبانيا خيار استردادها إذا تخلت بريطانيا عنها.

الأمريكتين وأفريقيا وتجارة العبيد

أضحت مستعمرات إنجلترا في منطقة البحر الكاريبي من أكثر مستعمرات إنجلترا ربحا وأهمية[40] وإن كان بعد عدة محاولات فاشلة لاستعمارها . فإنشاء مستعمرة في غيانا في 1604 استغرقت عامين ولكنها فشلت في هدفها الرئيسي وهو العثور على رواسب الذهب[41]. وقد طويت المستعمرات في سانت لوسيا (1605) وغرينادا (1609) بسرعة، ولكنها نجحت في انشاء المستوطنات في سانت كيتس (1624) وبربادوس (1627) ونيفيس (1628)[42]. ثم بدأت المستعمرات باعتماد نظام مزارع السكر التي استخدمها البرتغاليون بنجاح في البرازيل التي قامت على عمل الرقيق ولكنها اعتمدت أولا على السفن الهولندية التي تبيع العبيد وتشتري السكر[43]. ولضمان بقاء الأرباح الصافية المتزايدة في هذه التجارة في أيدي الإنجليز، أصدر البرلمان سنة 1651 مرسوما مفاده أنه فقط السفن الإنجليزية التي يمكنها من العمل في تجارة المستعمرات الإنجليزية. وأدى ذلك إلى أعمال عدائية مع المقاطعات الهولندية المتحدة -وهي سلسلة من الحروب الأنجلو-هولندية- والتي بالنهاية عززت مكانة إنجلترا في الأمريكتين على حساب الهولنديين[44]. ثم ضمت إنجلترا جزيرة جامايكا من الإسبان سنة 1655 وفي 1666 نجحت في استعمار جزر البهاما[45].

كانت مستوطنة جيمس تاون أول مستوطنة دائمة لإنجلترا أسست في الأمريكتين سنة 1607 بقيادة القبطان جون سميث وأدارتها شركة فيرجينيا. تم تلاها استيطان برمودا بعد أن طالبت بها إنجلترا بسبب وجود حطام سفينة مهمة لشركة فيرجينيا 1609، وقد استلمتها شركة أخرى سنة 1615[46]. تم إلغاء ميثاق شركة فرجينيا سنة 1624 وتولى التاج السيطرة المباشرة على فرجينيا وبالتالي تأسيس مستعمرة فرجينيا[47]. ثم انشئت شركة لندن وبريستول سنة 1610 بهدف إيجاد استيطان دائم في نيوفاوندلاند، لكن ذلك لم يتم له النجاح المتوقع[48]. وفي سنة 1620 أسس التطهيريين الانفصاليين الدينيين الذين اشتهروا بإسم الحجاج مستعمرة بلايموث مأوى لهم هاربين من الاضطهاد الديني[49] وكان ذلك دافع للعديد من الانجليز الذين اصبحوا مستعمرين في خوض رحلة خطرة لعبور المحيط الأطلسي: أسس اتباع الكنيسة الكاثوليكية ماريلاند لتكون ملاذا لهم (1634)، ثم مستعمرة رود آيلاند (1636) المتسامحة مع جميع الأديان ثم كونيكتيكت (1639) للأبرشانيون ثم مقاطعة كارولينا في 1663. ومع سقوط حصن أمستردام سنة 1664 تمكنت إنجلترا من السيطرة على مستعمرة نيو نذرلاند الهولندية وغيرت اسمها إلى نيويورك. وقد تم إضفاء الطابع الرسمي على المفاوضات التي اعقبت الحرب الإنجليزية الهولندية الثانية حيث استبدلت بسورينام[50]. وفي سنة 1681 أسس وليام بن مستعمرة بنسلفانيا. ومع أن المستعمرات الأمريكية أقل مردودا ماديا من الموجودة في الكاريبي، ولكن لديها مساحات كبيرة من الأراضي الزراعية الجيدة وجذبت أعدادا كبيرة من المهاجرين الإنجليز الذين يفضلون مناخها المعتدل[51].

وفي سنة 1670 أنشأ تشارلز الثاني من خلال الميثاق الملكي شركة خليج هدسون (HBC) ومنحها احتكار لتجارة الفراء في المنطقة المعروفة باسم أرض روبرت. والتي شكلت لاحقا نسبة كبيرة من أراضي كندا. إلا أن حصونها ومراكزها التجارية كثيرا ما كانت عرضة لهجمات الفرنسيين الذين أنشأوا مستعمرة تجارية لهم خاصة بالفراء في فرنسا الجديدة المجاورة[52].

ثم بعد ذلك بعامين دشن الملك تشارلز الثاني الشركة الملكية الإفريقية ومنحها احتكار تجارة استيراد العبيد لمستعمرات بريطانيا في منطقة الكاريبي[53]. فقد كان الرق منذ البداية هو أساس وجود الإمبراطورية البريطانية في جزر الهند الغربية، فبريطانيا حتى إلغائها تجارة الرقيق سنة 1807 كانت مسؤولة عن نقل 3.5 مليون من العبيد الأفارقة إلى الأمريكتين، وهو ثلث الرقيق المنقولين عبر المحيط الأطلسي[54]. ولتيسير هذه التجارة أنشئت حصون وقلاع على ساحل غرب أفريقيا مثل جزيرة جيمس وأكرا وجزيرة بونس. وارتفعت نسبة السكان المنحدرين من أصل أفريقي في منطقة الكاريبي البريطانية من 25٪ في 1650 إلى حوالي 80٪ في 1780، وفي المستعمرات الثلاث عشرة من 10٪ إلى 40٪ خلال نفس الفترة (أضحوا أغلبية في المستعمرات الجنوبية)[55]. فقد كانت تلك التجارة مربحة للغاية بالنسبة لتجار الرقيق وأصبحت دعامة اقتصادية رئيسية للمدن البريطانية [الإنجليزية] الغربية مثل بريستول وليفربول التي شكلت الركن الثالث من التجارة الثلاثية مع أفريقيا والأمريكتين. كانت ظروف النقل القاسية وغير الصحية لسفن الرقيق والغذاء القليل جعل معدل الوفيات أثناء عبور الطريق البحري هي واحد من كل سبعة[56].

منافسة الهولنديين في آسيا

بدأت إنجلترا وهولندا في نهاية القرن 16 تتحدي احتكار تجارة البرتغال الآسيوية، فشكلت شركات مساهمة خاصة لتمويل الرحلات التجارية، وهي شركة الهند الشرقية الإنجليزية (أضحت بريطانية بعد ذلك) وشركة الهند الشرقية الهولندية وانشئتا بالتوالي في 1600 و 1602. والهدف الرئيسي لهذه الشركات هو الاستفادة من تجارة التوابل المربحة، وهو جهد ارتكز أساسا على منطقتين؛ أرخبيل الهند الشرقية والهند المركز المهم في شبكة التجارة. ومن هناك بدأت المنافسة على التفوق التجاري مع البرتغال ومع بعضهما البعض[57]. وتمكنت إنجلترا في نهاية الأمر من اضعاف قوة هولندا الإستعمارية، إلا أن نظام هولندا المالي الأكثر تقدما[58] والحروب الأنجلو-هولندية الثلاث في القرن 17 تركها في وضع أقوى في آسيا. ثم توقف القتال بعد الثورة المجيدة سنة 1688 عندما صعد وليام أورانج الهولندي العرش الإنجليزي ليتحقق السلام بين هولندا وإنجلترا. فتمت صفقة بين البلدين بأن تكون تجارة التوابل في أرخبيل جزر الهند الشرقية إلى هولندا، أما صناعة المنسوجات في الهند فانتقل احتكارها إلى إنجلترا. فسرعان ماأضحت أرباح صناعة النسيج متجاوزة أرباح تجارة التوابل. وما أن حلت سنة 1720 حتى تجاوزت مبيعات الشركة البريطانية مبيعات الشركة الهولندية[58].

النزاعات الدولية مع فرنسا

مكن السلام بين إنجلترا وهولندا من أن يصبحوا حلفاء في حرب التسع سنوات سنة 1688، لكن هذا الصراع الذي اندلع في أوروبا وخارجها بين فرنسا وإسبانيا والحلف الأنجلو-هولندي جعل الإنجليز قوة استعمارية أقوى من الهولنديين الذين أضطروا إلى زيادة الميزانية العسكرية في حربهم البرية المكلفة في أوروبا[59]. ارتفعت قوة إنجلترا (بريطانيا بعد 1707) في القرن 18 لتصبح القوة الاستعمارية المهيمنة في العالم، وأضحت فرنسا المنافس الرئيسي لها في الفترة الإمبراطورية[60].

بعد وفاة كارلوس الثاني ملك إسبانيا سنة 1700 ورث فيليب أنجو حفيد ملك فرنسا حكم إسبانيا وإمبراطوريتهما الاستعمارية مما أثار احتمال توحيد فرنسا وإسبانيا ومستعمراتها، وهو وضع رفضته إنجلترا والقوى الأوروبية الأخرى[61]. فاندلعت حرب الخلافة الاسبانية في 1701 بين الإمبراطورية الرومانية المقدسة التي ساندتها انجلترا والبرتغال وهولندا ضد اسبانيا وفرنسا. واستمرت الحرب حتى 1714 في معاهدة أوتريخت حيث أضحى فيليب الخامس ملكاً لإسبانيا ولكنه أزيح وذريته من سلسلة خلافة العرش الفرنسي، وفقدت اسبانيا ممتلكاتها الأوروبية[61]. بالمقابل تمكنت الإمبراطورية البريطانية من التوسع إقليميا: فقد اخذت من فرنسا نيوفاوندلاند وأكاديا، وأخذت من اسبانيا منورقة وجبل طارق الذي أصبح قاعدة بحرية حرجة مكن لبريطانيا السيطرة على نقطة دخول وخروج المحيط الأطلسي مع البحر الأبيض المتوسط. وتنازلت إسبانيا أيضا إلى بريطانيا عن حقوق الاحتكار (بالإسبانية: asiento) (إذن بيع العبيد إلى أمريكا الإسبانية [الإنجليزية])[62].

اندلعت عدة صراعات عسكرية في شبه القارة الهندية أواسط القرن 18، فحروب كارناتيك بين شركة الهند الشرقية الإنجليزية (غالبا ما تعرف باسم "الشركة" فقط) ونظيرتها شركة الهند الشرقية الفرنسية (Compagnie française des Indes orientales) إلى جانب الحكام المحليين لملء الفراغ الذي خلفه تراجع سلطنة مغول الهند. فتمكن البريطانيون بقيادة روبرت كلايف من هزيمة نواب البنغال [الإنجليزية] وحلفائهم الفرنسيين في معركة بلاسي سنة 1757، فأضحت شركة الهند الشرقية البريطانية التي سيطرت على البنغال قوة عسكرية وسياسية رئيسية في الهند[63]. وتراجعت فرنسا إلى جيوب لها ولكن بقيود عسكرية والتزام لدعم الدول العميلة البريطانية، فانتهت آمال فرنسا بالسيطرة على الهند[64]. ثم بدات شركة الهند الشرقية البريطانية تدريجيا بزيادة مساحة الأراضي الخاضعة لسيطرتها إما بحكم مباشر أو عبر حكام محليين تحت تهديد القوة للجيش الهند البريطاني التي تتألف الغالبية العظمى منه من جنود المشاة يسمون بالسيبوي الهنود[65]. وقد غدت الهند احدى مسارح الصراع البريطاني والفرنسي خلال حرب السنوات السبع حيث انضمت إليهما قوى أوروبية اخرى، والتي توقفت مع توقيع معاهدة باريس (1763) فكان لها عواقب مهمة لمستقبل الإمبراطورية البريطانية، فقد انتهت قوة فرنسا الإستعمارية نهاية فعالة مع اعترافها بحق بريطانيا في أرض روبرت[52]، وتنازلت عن فرنسا الجديدة لبريطانيا (وترك عدد كبير من السكان الناطقين بالفرنسية تحت السيطرة البريطانية) ولويزيانا إلى إسبانيا. بالمقابل تنازلت إسبانيا عن فلوريدا لبريطانيا. إلى جانب انتصار بريطانيا على فرنسا في الهند، فقد جعلتها حرب السبع سنوات أقوى قوة بحرية في العالم[66]

خسارة المستعمرات الثلاث عشرة الأمريكية

ازدادت العلاقات بين المستعمرات الثلاثة عشر وبريطانيا سوءا خلال عقدي 1760-1770، والسبب الرئيسي لذلك هو محاولات البرلمان البريطاني لحكم وفرض الضرائب على سكان المستعمرات الأمريكيين دون موافقتهم[67]. فظهر شعار "لا ضريبة بدون تمثيل" في ذاك الوقت ملخصا الشعور بالسخط من انتهاك حقوق الإنجليز [الإنجليزية] المكفولة. ثم اندلعت الثورة برفض سلطة البرلمان وبدأت بالتحرك نحو الحكم الذاتي. ولكن رد بريطانيا كان عنيفا حيث أرسلت قوات لإعادة فرض الحكم المباشر، مما أدى إلى ظهور مناخ الحرب في المستعمرات سنة 1775. وفي العام التالي أعلنت الولايات المتحدة الاستقلال ولكن دخول فرنسا الحرب في 1778 قلب التوازن العسكري لصالح الأميركيين، وبعد هزيمة بريطانيا في معركة يوركتاون سنة 1781 بدأت بالتفاوض على شروط السلام. تم الاعتراف باستقلال أمريكا في معاهدة باريس (1783)[68].

اعتبر بعض المؤرخين خسارة جزء ضخم من أراضي أمريكا البريطانية حيث يوجد فيها أكبر عدد من السكان الإنجليز خارج بريطانيا هو الحدث الذي حدد الانتقال من الإمبراطورية البريطانية الأولى إلى الإمبراطورية الثانية[69]، فحولت بريطانيا اهتمامها من الأمريكتين إلى آسيا والمحيط الهادئ ثم أفريقيا لاحقا. وذكر آدم سميث في كتابه ثروة الأمم المنشور سنة 1776: إن المستعمرات فائضة عن الحاجة، وأن يجب أن تحل التجارة الحرة محل السياسات التجارية القديمة التي ميزت الفترة الأولى من التوسع الاستعماري التي يعود تاريخها إلى الحمائية في إسبانيا والبرتغال[66][70]. وبدا أن نمو التجارة بين الولايات المتحدة المستقلة حديثا وبريطانيا بعد 1783 أكد وجهة نظر سميث بأن سيطرة الدولة السياسية ليس ضروريا لنجاحها الاقتصادي[71][72]

أثرت الحرب الجنوبية على سياسة بريطانيا في كندا، فقد هاجر مابين 40,000-100,000[73] من مواليها هاربين من الولايات المتحدة الجديدة بعد استقلالها[74]. فاستقر 14 ألفا من الموالين في وديان نهر سانت جون وسانت كروا، ثم في جزء من نوفا سكوتيا. فشعر هؤلاء المستوطنون الجدد أنهم بعيدون جدا عن حكومة مقاطعة هاليفاكس، لذلك فصلت لندن مقاطعة نيو برونزويك عنها فجعلتها مستعمرة مستقلة سنة 1784[75]. ثم أنشأ مرسوم دستوري لسنة 1791 مقاطعتي كندا العليا (الناطقة باللغة الإنجليزية) وكندا السفلى (الناطقة بالفرنسية) لنزع فتيل التوترات بين المجتمع الفرنسي والبريطاني، ونفذت أنظمة حكومية مماثلة لتلك المستخدمة في بريطانيا من تأكيد سلطة الحكم الإمبراطوري وعدم السماح لأي نوع من السيطرة الشعبية للحكومات مثل التي كان يعتقد أنها أدت إلى الثورة الأمريكية[76].

وقد تصاعد التوتر مجددا بين بريطانيا والولايات المتحدة خلال فترة الحروب النابليونية حيث حاولت بريطانيا قطع التجارة الأمريكية مع فرنسا واعترضت السفن الأمريكية لإجبار الرجال على الخدمة في البحرية الملكية. فأعلنت الولايات المتحدة الحرب في 1812 وغزت الأراضي الكندية. ردا على ذلك غزت بريطانيا الولايات المتحدة، ولكن حدود ما قبل الحرب أثبتتها معاهدة غنت لسنة 1814، مما ضمن أن مستقبل كندا أضحى منفصلا عن مستقبل الولايات المتحدة[77][78]

صعود الإمبراطورية البريطانية "الثانية" (1783–1815)

استكشاف المحيط الهادئ

بدأت بريطانيا منذ 1718 بنقل المدانون بالجرائم من أراضيها إلى المستعمرات الأمريكية، حيث كانت تنقل ما يقرب من ألف المدان سنويا عبر المحيط الأطلسي[79]. ولكن بعد خسارة المستعمرات الثلاثة عشر في 1783 اضطرت لإيجاد مواقع بديلة، حيث نقلت وجهتها إلى الأراضي أستراليا المكتشفة حديثا[80]. وقد سبق الأوربيون اكتشاف الساحل الغربي لأستراليا وذلك عن طريق المستكشف الهولندي فيليم جانزون سنة 1606، فضمت إلى شركة الهند الشرقية الهولندية وسميت بهولندا الجديدة [الإنجليزية][81] ولكن لم يكن هناك نية لإستيطانها. وفي سنة 1770 اكتشف جيمس كوك الساحل الشرقي لأستراليا عندما كان في رحلة علمية إلى جنوب المحيط الهادئ فاعلن أن القارة خاضعة للحكومة البريطانية وأطلق عليها اسم نيو ساوث ويلز[82]. ثم قدم جوزيف بانكس عالم النبات في رحلة كوك الأدلة للحكومة على مدى ملاءمة خليج بوتاني لإنشاء مستعمرة عقابية وذلك في سنة 1778، فأبحرت أول شحنة من المدانين سنة 1787 فوصلتها في السنة التالية[83]. ثم واصلت بريطانيا نقل المحكومين إلى نيو ساوث ويلز حتى 1840[84]. فأضحت المستعمرات الأسترالية تصدر الصوف والذهب المربح[85]، وبسبب حمى البحث عن الذهب في مستعمرة فيكتوريا صارت عاصمتها ملبورن أغنى مدينة في العالم لفترة من الزمن[86]، وثاني أكبر مدينة في الإمبراطورية البريطانية (بعد لندن)[87].

مر كوك خلال رحلته على جزر نيوزيلندا التي اكتشفها المستكشف الهولندي أبل تاسمان سنة 1642، فأعلن الجزيرتين الشمالية والجنوبية خاضعتين للتاج البريطاني في 1769 و 1770 تباعا. وقد كان التفاعل في البداية بين السكان الماوريين الأصليين والأوروبيين مقتصرا على تجارة السلع، ثم ازدادت المستوطنات الأوروبية خلال العقود الأولى من القرن 19، وانشئت العديد من المناطق التجارية خاصة في الشمال. واعلنت شركة نيوزيلندا سنة 1839 عن خططها لشراء مساحات كبيرة من الأراضي وإنشاء مستعمرات في نيوزيلندا. في 6 فبراير 1840 وقع الكابتن ويليام هوبسون مع 40 من رؤساء الماوري معاهدة وايتانجي[88]. التي عدها الكثيرون أنها وثيقة تأسيس نيوزيلندا[89]، ولكن اختلاف تفسير النصوص بين النسخة الماوورية والإنكليزية[90] يعني أن مصادر النزاع لا تزال مستمرة[91]. وقد أنشأ فيها المستعمرات العقابية (تحت حكم التاج منذ عام 1840)، وبالتالي عانى السكان الأصليين من الحروب والأمراض. مما حد من تعدادهم إلى نحو 60-70٪ في أقل من قرن من الزمان.

الصراع مع فرنسا النابليونية

واجهت بريطانيا مجددا تحديا من فرنسا تحت حكم نابليون في صراع اختلف عن الحروب السابقة حيث مثل تنافسا لأيديولوجيات البلدين[92]. لم يكن موقف بريطانيا في المسرح العالمي الذي كان في خطر: بل هدد نابليون بغزو بريطانيا نفسها، عندما اجتاحت جيوشه العديد من بلدان أوروبا القارية.

وقد التهمت الحروب النابليونية مبالغ هائلة من ثروات بريطانيا ومواردها حتى انتصرت فيها. فحاصرت البحرية الملكية موانئ فرنسا، وحققت انتصارا حاسما على أسطول فرنسي-أسباني في طرف الغار سنة 1805. وهاجمت المستعمرات الخارجية واحتلتها بما في ذلك التي الخاضعة لهولندا التي ضمها نابليون سنة 1810. وبالنهاية انهزمت فرنسا أمام ائتلاف من الجيوش الأوروبية في 1815[93]. ومرة اخرى استفادت بريطانيا من معاهدات السلام: حيث تنازلت فرنسا عن الجزر الأيونية ومالطا (التي احتلتها في 1797 و 1798 على التوالي) وموريشيوس وسانت لوسيا وتوباغو؛ وتنازلت اسبانيا عن ترينيداد؛ ونالت من هولندا على غيانا ومستعمرة كيب. وأعادت بريطانيا غوادلوب ومارتينيك وغويانا الفرنسية وريونيون إلى فرنسا وجاوة وسورينام إلى هولندا، بينما تمكنت من السيطرة على سيلان (1795-1815)[94].

إلغاء العبودية

ومع ظهور الثورة الصناعية قلت أهمية السلع التي ينتجها الرقيق للاقتصاد البريطاني[95]. بالإضافة إلى الكلفة العالية لقمع تمرد عبيد عادية. وقد سن البرلمان قانون تجارة الرقيق 1807 بدعم من الحركة البريطانية لإلغاء عقوبة الإعدام فألغى تجارة الرقيق في الإمبراطورية. وخصصت مستعمرة ومحمية سيراليون لتكون مستعمرة بريطانية رسمية للعبيد المحررين سنة 1808[96]. وشهد الإصلاح البرلماني في سنة 1832 انخفاض تأثير لجنة الهند الغربية. فقانون إلغاء الرق الذي صدر في العام التالي ألغى العبودية في جميع أنحاء الإمبراطورية البريطانية بدءا من 1 أغسطس 1834، مما جعل الإمبراطورية تتماشى مع القانون في المملكة المتحدة (باستثناء سانت هيلينا وسيلان والأراضي التي تديرها شركة الهند الشرقية، وقد الغيت تلك الاستثناءات لاحقا). وبموجب القانون منح العبيد الحرية الكاملة بعد فترة تتراوح بين أربع وست سنوات من "التدريب"[97]. وعوضت الحكومة البريطانية مالكي العبيد.

قرن الإمبراطورية البريطانية (1815–1914)

كانت الفترة بين 1815-1914 هي الفترة التي أشار إليها بعض المؤرخين بإسم "قرن الإمبراطورية البريطانية"[98][99]، حيث المساحة 10,000,000 ميل مربع (26,000,000 كـم2) من الأراضي وحوالي 400 مليون شخص خاضعين للإمبراطورية البريطانية[100]. فقد أضحت بريطانيا بعد هزيمة نابليون ليس لها أي منافس دولي خطير عدا روسيا في آسيا الوسطى[101]. وبدون منازع في البحر، فقد تبنت بريطانيا دور الشرطي العالمي وهي حالة عرفت فيما بعد باسم باكس بريتانيكا [الإنجليزية][9]، وسياسة "العزلة الرائعة" الخارجية[102]. وإلى جانب سيطرتها الرسمية التي تمارسها على مستعمراتها، فإن موقع بريطانيا المهيمن على التجارة العالمية يعني أنها كانت تسيطر فعليا على اقتصادات العديد من البلدان مثل الصين والأرجنتين وسيام حيث وصفها بعض المؤرخين بأنها "إمبراطورية غير رسمية"[103][104].

دعمت قوة الإمبراطورية البريطانية بالباخرة والبرقية، واخترعت تلك التقنيات الجديدة في النصف الثاني من القرن 19 مما سمح لها بالسيطرة على امبراطوريتها الشاسعة والدفاع عنها. وما أن حلت سنة 1902 حتى اكتمل ارتباط الإمبراطورية البريطانية بشبكة من خطوط التلغراف، واطلق عليها كلها خط أحمر (بالإنجليزية: All Red Line)[105].

شركة الهند الشرقية في آسيا

قادت شركة الهند الشرقية عمليات توسيع الإمبراطورية البريطانية في آسيا. فبعد انتصارها في معركة بلاسي سنة 1757 تمكنت من ضم البنغال وجعلها تحت الحكم البريطاني. وقد انضم جيش الشركة لأول مرة إلى القوات البحرية الملكية خلال حرب السنوات السبع في الهند، ثم استمر الاثنان بالتعاون خارج الهند: طرد الفرنسيين من مصر (1799)[106] وطرد الهولنديين من جاوة (1811) والإستحواذ على جزيرة بينانق (1786) وسنغافورة (1819) وملقا (1824) وهزيمة بورما [الإنجليزية] (1826)[101].

بدأت مصالح بريطانيا في الصين أواخر القرن 18 عندما أصبحت المملكة المتحدة مستورد رئيسي للشاي الصيني. وقد تسببت تلك التجارة فى عجز حاولت الشركة من قاعدتها في الهند تصحيحه بتصدير الأفيون المربح جدا من الهند إلى الصين. وقد ساعدت هذه التجارة -أضحت غير قانونية بعد أن حظرتها أسرة تشينغ سنة 1729- على تعديل الخلل التجاري الناجم عن واردات بريطانيا من الشاي التي شهدت تدفق ضخم للفضة من بريطانيا إلى الصين[107]. وفي سنة 1839 قامت السلطات الصينية في كانتون بمصادرة 20 ألف صندوق من الأفيون مما أدى ببريطانيا أن تهاجم الصين في حرب الأفيون الأولى، وانتهت الحرب باستيلاء بريطانيا على جزيرة هونغ كونغ والتي كانت في ذلك الوقت مستوطنة ثانوية[108]. وحافظت بريطانيا بعد الحرب على علاقة معقدة مع الصين، بالرغم من ضمها هونغ كونغ إلا أن معظم تجارتها مع الصين تنظمها معاهدات تسمح بالتجارة من خلال عدد معين من الموانئ. ونتيجة لذلك اهتمت بريطانيا بالحفاظ على دولة صينية مستقلة، حيث أن تدميرها سيتيح إمكانية تحقيق مكاسب إقليمية للقوى الغربية الأخرى. ولم ترغب في الوقت نفسه في أن تكون الدولة الصينية قوية جدا، لأن ذلك كان يعني أن الصين يمكن أن تلغي أو تعيد التفاوض بشأن معاهداتها. هذه المصالح تفسر التناقض الواضح للأعمال البريطانية فيما يتعلق بالصين: دعمت سلالة تشينغ ضد تمرد تايبينغ، ولكن في الوقت نفسه بدأت بتحالف مع فرنسا في حرب الأفيون الثانية ضد بلاط تشينغ .

بدأ التاج البريطاني في أواخر القرن 18 وأوائل القرن 19 بتولي دور أكبر وبازدياد في شؤون الشركة. حيث بدأ البرلمان في إصدار سلسلة من القوانين لتنظيم شؤون الشركة وإرساء سيادة التاج على الأراضي التي اكتسبها[109]. ولكن بدأت الشركة تخطو حثيثا نحو نهايتها عندما اندلعت الثورة سنة 1857 وهو الصراع الذي بدأ مع تمرد القوات الهندية النظامية السيبوي تحت إمرة الضباط البريطانيين[110]. استمر التمرد مدة ستة أشهر وبكلفة فادحة في الأرواح لكلا الجانبين. وفي العام التالي حلت الحكومة البريطانية الشركة وتولت السيطرة المباشرة على الهند من خلال قانون حكومة الهند 1858 [الإنجليزية] فأنشأت الراج البريطاني وعينت حاكم عام على الهند وتوجت الملكة فيكتوريا إمبراطورة الهند[111]. فأصبحت الهند بامتياز أغنى ممتلكات الإمبراطورية ولقبت "بجوهرة التاج"، وكانت أهم مصادر قوة بريطانيا[112].

أدت سلسلة من الإخفاقات الخطيرة في المحاصيل في أواخر القرن 19 إلى انتشار المجاعات في شبه القارة حيث قدر أن أكثر من 15 مليون شخص ماتوا من الجوع. وفشلت شركة الهند الشرقية في تنفيذ أي سياسة منسقة للتعامل مع المجاعات خلال فترة حكمها. ولكن بعدها وتحت الحكم البريطاني المباشر شكلت لجان بعد كل مجاعة للتحقيق في الأسباب وتنفيذ سياسات جديدة حتى بداية عقد 1900 ليكون لها جدوى[113].

النزاع مع روسيا

تنافست بريطانيا والإمبراطورية الروسية خلال القرن 19 لشغل الفراغ في السلطة الذي خلفته الإمبراطورية العثمانية المتدهورة وسلالة قاجار وأسرة تشينغ في آسيا الوسطى. وعرف هذا التنافس باسم "اللعبة الكبرى"[114]. بدأ اهتمام بريطانيا عندما ألحقت روسيا الهزائم على بلاد فارس وتركيا [الإنجليزية] فأظهرت طموحاتها وقدراتها الإمبراطورية، مما أثار المخاوف في بريطانيا من غزو بري على الهند[115]. فتحركت سنة 1839 لاستباق ذلك بغزو أفغانستان، لكن ذلك الغزو كان كارثيا على بريطانيا[116].

عندما غزت روسيا البلقان العثمانية سنة 1853، ثارت المخاوف في بريطانيا وفرنسا من هيمنة روسية على البحر الأبيض المتوسط ​​والشرق الأوسط مما حدا بهما غزو شبه جزيرة القرم لتدمير القدرات البحرية الروسية[116]. فاندلعت حرب القرم (1854-56) والتي شملت تقنيات جديدة للحرب الحديثة[117]، كانت الحرب العالمية الوحيدة التي خاضتها بريطانيا ضد قوة امبراطورية أخرى خلال باكس بريتانيكا وكانت هزيمة مدوية لروسيا[116]. ظل الوضع دون حل في آسيا الوسطى لعقدين آخرين، مع ضم بلوشستان [الإنجليزية] سنة 1876 وضمت روسيا قرغيزيا وكازاخستان وتركمانستان. وظهر لبعض الوقت أن حربا أخرى ستكون حتمية، ولكن البلدين توصلا إلى اتفاق بشأن مناطق نفوذ كل منهما في 1878، وعلى جميع المسائل المعلقة في 1907 بتوقيع الوفاق الأنجلو-روسي[118]. وأدى تدمير الجيش الياباني للبحرية الروسية في معركة بورت آرثر خلال الحرب الروسية اليابانية في 1904-1905 إلى الحد من تهديد الروس للبريطانيين[119].

الإمبراطورية في أفريقيا

خلال الحروب النابليونية تناوب على احتلال سيشيل كلا من فرنسا وبريطانيا في عدة مناسبات. فسيطرت بريطانيا على الجزر بين 1794 و 1811، ثم تأكد ضمها رسميا بعد معاهدة باريس (1814). وقد كانت مستعمرة سيشيل تابعة لموريشيوس حتى 1903.

بالرغم من هزيمة البحرية البريطانية أمام الفرنسيين في معركة جراند بورت بالقرب من جزيرة فرنسا (موريشيوس الحالية) سنة 1810 خلال الحروب النابليونية، إلا انها انتصرت عليهم في شمال الجزيرة في كيب مالهيوريوكس. وفي 3 ديسمبر 1810 غزا البريطانيون جزيرة موريشيوس [الإنجليزية] وفي 6 ديسمبر 1810 استسلمت الجزيرة أمام البريطانيين وماأعقب ذلك من تغيير اسم الجزيرة.

أسست شركة الهند الشرقية الهولندية مستعمرة الكاب على الطرف الجنوبي من أفريقيا سنة 1652 لتكون محطة للسفن التي تسافر من وإلى مستعمراتها في جزر الهند الشرقية. ثم استحوذت بريطانيا رسميا على المستعمرة سنة 1806 وأغلب سكانها هم الأفريكان (أو البوير)، وقد احتلتها قبل ذلك سنة 1795 لمنع سقوطها بأيدي الفرنسيين خلال حملة فلاندر[120]. وبدأت هجرة الإنجليز إليها بازدياد بعد 1820، مما دفع بالآلاف من البوير المستاءين من الحكم البريطاني باتجاه شمالا لإنشاء جمهوريات خاصة بهم -ومعظمها قصيرة العمر- خلال رحلاتهم العظمى في أواخر الثلاثينات وأوائل الأربعينات[121]. وقد اشتبك العديد منهم خلال هجرتهم مع البريطانيين الذين كان لديهم جدول أعمالهم الخاص فيما يتعلق بالتوسع الاستعماري في جنوب أفريقيا ومختلف شعوب أفريقيا الأصليين مثل دولتي سوثو والزولو. وبالآخر أنشأ البوير جمهوريتين كان عمرهما أطول: جمهورية ترانسفال أو جمهورية جنوب أفريكان (1852-1877؛ 1881-1902) ودولة البرتقال الحرة (1854-1902)[122]. وتمكنت بريطانيا من احتلال الجمهوريتين [الإنجليزية] سنة 1902 وعقدت معاهدة معهما بعد حرب البوير الثانية (1899-1902)[123].

في سنة 1869 افتتحت قناة السويس تحت حكم نابليون الثالث حيث ربط البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الهندي. في البداية كان البريطانيين معارضين لبناء القناة[124] ولكن بعد فتحها اعترفت الإمبراطورية بسرعة بها وبقيمتها الاستراتيجية وأصبحت "حبل الوريد للإمبراطورية"[125]. واشترت حكومة المحافظين برئاسة بنجامين دزرائيلي في سنة 1875 مديونية والي مصر الخديوي إسماعيل مانسبته 44٪ من قناة السويس مقابل 4 ملايين جنيه إسترليني (أي ما يعادل 90 مليون جنيه إسترليني في 2016). وبالرغم من أن هذا لم يمنح سيطرة بريطانيا المطلقة على الممر المائي الاستراتيجي إلا أنه أعطى لها النفوذ. انتهت هيمنة الأنجلو-فرنسية المالية المشتركة على مصر مع الاحتلال البريطاني الصريح سنة 1882[126]. وإن ظل الفرنسيون يشكلون أغلبية المساهمين وحاولوا إضعاف مكانة بريطانيا[127]، إلا أنه قد تم التوصل إلى حل وسط في اتفاقية القسطنطينية 1888 جعل منطقة القناة محايدة رسميا[128].

تقوض الاستعمار المنظم لأفريقيا الاستوائية مع ازدياد النشاط الفرنسي والبلجيكي والبرتغالي في منطقة نهر الكونغو السفلي، ولتنظيم المنافسة بين القوى الأوروبية في ما يسمى "التدافع على أفريقيا" عقد مؤتمر برلين 1884-1885 لتعريف "الاحتلال الفعال" ليكون المعيار للاعتراف الدولي للمزاعم الإقليمية[129]. واستمر التدافع في التسعينات من القرن مما حدا ببريطانيا ان تتراجع في قرارها للانسحاب من السودان سنة 1885. فهزمت قوة البريطانية والمصرية مشتركة جيش المهدي سنة 1896، ورفضت محاولة غزو فرنسي في فشودة في 1898. فأضحى السودان اسميا تحت حكم أنجلو-مصري مشترك ولكنه في الواقع مستعمرة بريطانية[130].

دفعت المكاسب البريطانية في جنوب أفريقيا وشرقها رائد التوسع البريطاني في الجنوب الأفريقي سيسل رودس إلى الإصرار بفتح خط "سكك حديد كيب القاهرة" يربط قناة السويس ذات الأهمية الاستراتيجية بجنوب القارة الغنية بالمعادن إلا أن الاحتلال الألماني لتنجانيقا منع تحقيق ذلك إلى نهاية الحرب العالمية الأولى.[131]. وتمكن رودس خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن 19 مع شركته المملوكة للقطاع الخاص شركة جنوب أفريقيا البريطانية من احتلال الأراضي التي سميت لاحقا باسمه روديسيا[132].

ومن المفارقات أن المملكة المتحدة وهي المدافعة القوية عن التجارة الحرة ظهرت في 1914 بأنها أكبر إمبراطورية عبر البحار ليس بسبب وجودها الطويل في الهند ولكن باعتبارها المنتصر في التدافع على أفريقيا نظرا لموقعها المتميز منذ البداية. ففي الفترة ما بين 1885-1914 خضع حوالي 30٪ من سكان أفريقيا لسيطرتها مقابل 21٪ لفرنسا و 9٪ لألمانيا و 7٪ لبلجيكا و 1٪ لإيطاليا. ساهمت نيجيريا بمفردها بـ 15 مليون من الرعية، أكثر ممن في كل غرب أفريقيا الفرنسي أو كل مستعمرات الإمبراطورية الألمانية.

انهيار باكس بريتانيكا

استطاعت بريطانيا كونها أول دولة صناعية من الحصول على المواد الخام والأسواق لمعظم البلدان التي يمكن الوصول إليها. لكن هذا الوضع انحدر تدريجيا خلال النصف الثاني من القرن 19 عندما بدأت قوى أخرى في العمل الصناعي وبدأت في استخدام آلية الدولة لضمانة أسواقها ومصادر الإمداد. وفي سبعينيات القرن 19 واجهت الشركات البريطانية للصناعات الأساسية في النهضة الصناعية منافسة حقيقية من الخارج.

وقد شهدت الصناعة في ألمانيا والولايات المتحدة تقدما سريعا، مما سمح لهم باللحاق بنموذج الاقتصاد البريطاني والفرنسي "القديم" للرأسمالية حيث كانوا روادا في بعض المناطق من العالم. ففي سنة 1870 تمكنت صناعات المعادن والنسيج الألمانية التفوق على مثيلاتها البريطانية في التنظيم والقدرة التقنية واستطاعت سحب البساط من تحت السلع البريطانية في اسواقها المحلية. ومع مطلع القرن الجديد استطاعت الصناعات الألمانية من ان تكون مركزا لأسواق التجارة الحرة الأولى "ورشة العالم القديم".

في حين أبقت الصادرات غير المنظورة (المصرفية والتأمين ونقل البضائع) المملكة المتحدة في مأمن من الخطوط الحمراء، إلا أن حصتها في التجارة العالمية نزلت من الربع في سنة 1880 إلى السدس سنة 1913. ولم تخسر أسواق البلدان الصناعية فقط بل خسرت أيضا المنافسة على أسواق البلدان الناشئة الأقل نموا. حتى بدأت تفقد هيمنتها على مناطق مثل الهند والصين وأمريكا الجنوبية والساحل الأفريقي. وازدادت صعوبات بريطانيا التجارية بسبب الكساد الطويل [الإنجليزية] في الفترة 1873-1896، وهي فترة طويلة من الانكماش تفاقمت بسبب استمرار انخفاض الأسعار الذي أضاف ضغطا على الحكومات لصالح الصناعة الوطنية، مما أدى إلى التخلي عن التجارة الحرة بين القوى الأوروبية (في ألمانيا منذ 1879 وفي فرنسا منذ 1881).

وقد أدى تقييد الأسواق الوطنية والحد من الصادرات التي عملت عليها الحكومات والقطاعات الاقتصادية في كل من أوروبا والولايات المتحدة إلى رؤية الحل في الأسواق الخارجية المحمية التي عملت جنبا إلى جنب مع الأسواق المحلية والمصونة خلال التعريفات والحواجز الجمركية: أضحت المستعمرات سوقا للصادرات مع تزويد المصانع الأم بالمواد الخام الرخيصة. وبالرغم من تمسك بريطانيا بالتجارة الحرة حتى سنة 1932، إلا أنها انضمت إلى البعث الجديد للإمبراطورية الرسمية المتجددة، بحيث فضلت السماح لمناطق نفوذها بالتجارة مع القوى الأوربية المنافسة.

تغيير وضع مستعمرات البيض

بدأت مستعمرات البيض التابعة للإمبراطورية البريطانية طريقها إلى الاستقلال مع تقرير دورهام 1839 الذي اقترح توحيد كندا العليا مع السفلى واعطائها حكما ذاتيا وذلك لحل للاضطرابات السياسية التي اندلعت بثورات مسلحة سنة 1837[134]. وقد بدأ ذلك بمرور قانون الاتحاد 1840 والذي أنشأ مقاطعة كندا. منحت صفة حكومة مسؤولة لأول مرة إلى نوفا سكوتيا في 1848 ثم سرعان ماامتدت إلى المستعمرات البريطانية الأخرى في أمريكا الشمالية. ومع تمرير البرلمان البريطاني قانون أمريكا الشمالية 1867 الذي وضعته الحكومة البريطانية اندمجت كندا العليا والسفلى ونيو برونزويك ونوفا سكوتيا في دومينيون كندا، وهي كونفدرالية تتمتع بالحكم الذاتي الكامل باستثناء العلاقات الدولية[135]. حققت أستراليا ونيوزيلندا مستويات مماثلة من الحكم الذاتي بدءا من سنة 1900 بظهور اتحاد المستعمرات الأسترالية في 1901[136]. واعطي لها مسمى "دومينيون" رسميا في المؤتمر الاستعماري لسنة 1907[137]. وكذلك اتحاد جنوب أفريقيا حديث النشأة (1910). وبذلك انتقلت الإمبراطورية البريطانية إلى ما هو عليه الآن الكومنولث. وكان قادة دول الكومنولث الجديدة يجتمعون مع القادة البريطانيين في مؤتمرات قمة دورية سميت المؤتمرات الاستعمارية (سميت بعد مؤتمر 1907 بالمؤتمرات الإمبراطورية) وأولى هذه المؤتمرات كانت في لندن 1887.

شهدت العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر حملات سياسية منسقة لنيل ايرلندا حكما ذاتيا، حيث كانت في ذلك الوقت متحدة مع بريطانيا بإسم المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا حسب قانون الاتحاد 1800 الذي خرج بعد اخماد التمرد الأيرلندي 1798، والتي تعرضت لمجاعة حادة بين سنتي (1845-1852). وقد دعم وليم غلادستون رئيس الوزراء البريطاني مشروع قانون الحكم الذاتي لأيرلندا آملا أن تتبع خطى كندا لتكون دولة داخل الإمبراطورية، لكن المشروع الصادر في 1886 رفضه البرلمان. ومع أن هذا القانون إذا تم تمريره كان سيمنح أيرلندا قدرًا أقل من الحكم الذاتي داخل المملكة المتحدة مقارنة بالمقاطعات الكندية داخل الاتحاد الخاص بها[138]، إلا أن العديد من النواب خشوا من أيرلندا المستقلة جزئيًا قد تشكل تهديدًا أمنيًا لبريطانيا العظمى أو أنها إشارة لبداية انهيار الإمبراطورية[139]. ورُفض قانون آخر للحكم الذاتي سنة 1893 لأسباب مماثلة[139]. إلا أن البرلمان مرر في 1914 مشروع قانون ثالث، ولكن لم ينفذ بسبب اندلاع الحرب العالمية الأولى مما أثار انتفاضة عيد الفصح سنة 1916[140].

كانت العلاقات الدولية لدول الدومينيون خاضعة لوزارة الخارجية البريطانية: فأنشأت كندا وزارة الخارجية في 1909 إلا ان علاقاتها الدبلوماسية مع الحكومات الأخرى كانت عن طريق لندن. فلدول الدومينيون هامش مناورة كبير في وضع سياساتها الخارجية شريطة أن لا تتعارض مع مصالح المملكة المتحدة: فقد تفاوضت حكومة حزب الأحرار الكندي على اتفاقية ثنائية للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة سنة 1911. أما في مسائل الدفاع فإن المفهوم الأساسي المستوعب أنها جزء لا يتجزأ من الهيكل العسكري وبحرية الإمبراطورية، ولكن انتهى الأمر إلى عدم التمكن بدعم ذلك مع مواجهة اسطول المملكة المتحدة في أوروبا بالأسطول الألماني الناشئ بدءا من 1900. ثم قرر في 1909 أن دول الدومينيون لديها جيوشها الخاصة. ولكن عندما اندلعت الحرب العالمية الأولى كان اعلان المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وأيرلندا المساهمة فيها له تأثير على جميع دول الكومنولث.

الحروب العالمية (1914–1945)

بدخول القرن العشرين بدأت المخاوف في بريطانيا تزداد بسبب أنها لن تكون قادرة على الدفاع عن امبراطوريتها الشاسعة وخاصة حواضرها وفي نفس الوقت تحافظ على سياسة "العزلة الرائعة"[141]. في حين ازدادت قوة ألمانيا العسكرية والصناعية بسرعة وبدأ بالنظر إليها على أنها الخصم الأكثر احتمالاً في أي حرب مستقبلية. واعترفت بريطانيا بأنها استنزفت قوتها في المحيط الهادئ[142] بينما تهددها من الداخل البحرية الإمبراطورية الألمانية، فشكلت بريطانيا تحالفاً مع اليابان سنة 1902 ومع أعدائها القدامى فرنسا في 1904 وروسيا في 1907[143].

الحرب العالمية الاولي

لقد تحققت مخاوف بريطانيا من الحرب مع ألمانيا سنة 1914 مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، فغزت بريطانيا معظم مستعمرات ألمانيا في أفريقيا واحتلتها بسرعة. وفي منطقة المحيط الهادئ احتلت أستراليا ونيوزيلندا كل من غينيا الجديدة وساموا على التوالي. وخططت سرا مع فرنسا حسب اتفاقية سايكس بيكو 1916 لتقسيم أملاك الدولة العثمانية بعد انتهاء الحرب بسبب انضمامها إلى جانب ألمانيا. لم يتم الكشف عن هذه الاتفاقية لشريف مكة الذي شجعه البريطانيون للبدء بثورة عربية ضد حكامهم العثمانيين، مما أعطى انطباعا بأن بريطانيا تدعم إنشاء دولة عربية مستقلة[144]

ألزم إعلان بريطانيا الحرب على ألمانيا وحلفائها مستعمراتها ودول الدومينيون على مساعدتها، فقدمت دعما عسكريا وماليا وماديا لا يقدر بثمن. أكثر من 2,5 مليون رجل خدموا في جيوش دول الدومينيون، بالإضافة إلى آلاف المتطوعين من مستعمرات التاج[145]. كان مساهمات القوات الأسترالية والنيوزيلندية خلال حملة جاليبولي ضد الدولة العثمانية عام 1915 تأثيرًا كبيرًا على الوعي القومي في بلادهم، وعدت نقطة تحول في انتقال أستراليا ونيوزيلندا من مستعمرات إلى دول فبحد ذاتها. وتواصل تلك الدول إحياء ذكرى هذه المناسبة في يوم أنزاك. نظر الكنديون إلى معركة فيمي ريدج في ضوء مماثل[146]. وقد اعترف رئيس الوزراء البريطاني ديفيد لويد جورج بمساهمة دول الدومينيون المهمة في المجهود الحربي سنة 1917 عندما دعا كل من رؤساء وزراء تلك الدول للانضمام إلى حكومة حرب إمبراطورية لتنسيق السياسة الإمبريالية[147].


أظهرت تبعات الحرب العالمية الأولى آخر أكبر توسع للحكم البريطاني، وإحكام سيطرتها بواسطة جامعة الدول المنتدبة في فلسطين والعراق بعد سقوط الدولة العثمانية في الشرق الأوسط، وكذلك في المستعمرات الألمانية السابقة لتنجانيقا في جنوب غرب أفريقيا (تعرف الآن بناميبيا) وغينيا الجديدة (الدولتان الأخيرتان كانتا تحت حكم جنوب أفريقيا والحكم الأسترالي على التوالي). كانت مناطق الاحتلال البريطانية في راينلاند الألمانية بعد الحرب العالمية الأولى وغرب ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية لا تعتبر جزءا من الإمبراطورية.

على الرغم من ظهور بريطانيا بين المنتصرين في الحرب وتوسع حكمها لمناطق جديدة لكن التكلفة الثقيلة للحرب أضعف من قدرتها على المحافظة على الإمبراطورية الشاسعة. عانى البريطانيون من ملايين الكوارث وتصفية الموجودات في حالة من الخطر، مما أدى إلى تراكم الديون،وإلى انقلاب في أسواق المال وإلى نقص في القوى العاملة في وظائف الإمبراطورية مترامية الأطراف في مستعمرات آسيا وأفريقيا.

شهد سنة 1920 تحول سريع لمركز السيادة. على الرغم من عدم امتلاك السيادة صوت رسمي في إعلان الحرب في سنة 1914، انضم الكل بشكل منفصل في الموقعين على معاهدة فرساي 1919 للسلام، الذي تم التفاوض من قبل البريطانيين بتفويض من الإمبراطورية المتحدة. في سنة 1922 أثر النفور السيادي لدعم أعمال العسكرية البريطانية ضد تركيا على القرار بريطانيا في البحث عن تسوية.

تشكلت السيادة المستقلة التامة في وعد بلفور وفي سنة 1931 قانون ويستمنستر: من الآن فصاعدا كانت كل سيادة مساوية في المنزلة لبريطانيا نفسها، حرة من التدخل التشريعي البريطاني ومستقلة في علاقاتها الدولية. ما تم تشكيله من قطاع السيادة في المستعمرات في سنة 1907 تطور في سنة 1925 ليصل إلى مكتب سيادة مستقل وأصبح لها وزير الدولة المستقل في سنة 1930

تسلمت كندا دفة القيادة، فأصبحت ذات السيادة الأولى لتنهي بذلك المعاهدة الدولية كاملة الاستقلال في سنة 1923 ولتحصل على مركز المندوب السامي البريطاني في أوتاوا في سنة 1928، لتفصل بذلك الوظيفة القيادية والدبلوماسية للحاكم العام ولتنهي الدور الشاذ لسابق الذكر هذا كممثل لرئيس الدولة وللحكومة البريطانية. فتحت أول مهمة دبلوماسية دائمة لكندا إلى دولة أجنبية في واشنطن دي سي في سنة 1927: وتبعتها أستراليا في سنة 1940.

استقلت مصر رسميًا منذ سنة 1922 بفضل الحركات الوطنية التي تأججت عقب ثورة 1919، وبالمقابل قطعت جميع علاقاتها الدستورية مع بريطانيا. وأصبحت العراق محمية بريطانية في سنة 1922، وحصلت على استقلالها التام بعد عشر سنوات أي في سنة 1932.

نهاية الحكم البريطاني في أيرلندا

على الرغم من ضمانة الحكم الذاتي الأيرلندي (ولكن ليس استقلالا دستوريا ارلنديا) تحت قانون الحكم الذاتي الأيرلندي الثالث في سنة 1914، آخر اندلاع الحرب العالمية الأولى تطبيقه. في يوم الاثنين من عيد الفصح[؟] في سنة 1916 أدى ما فعله مجموعة مختلطة الأجناس من القوميين من ضمنهم مايكل كولين إلى ابتداء تمرد مسلح فاشل حدث في دوبلن. وبعد إطلاق سراحه من السجن في سنة 1919 قاد كولين جماعة من حرب العصابات الأيرلندية، تعرف بالجيش الجمهوري الأيرلندي في حملة عسكرية ضد الحكم البريطاني. انتهت الحرب الأنجلو- أيرلندية في سنة 1921 بمأزق وبتوقيع معاهدة الأنجلو- أيرلندية. قسمت المعاهدة أيرلندا إلى دولتين أصبحت معظم الجزر (مقاطعة) دول أيرلندية حرة، دولة ذات سيادة مستقلة في الكومنويلث البريطاني، بينما ظلت المقاطعات الست في الشمال مع مجتمع بروتستانتي مخلص واسع جزء من المملكة المتحدة كشمال أيرلندا.

أصبحت أيرلندا في سنة 1949 جمهورية مستقلة تماما عن المملكة المتحدة وانسحبت من الكومنويلث. ادعى الدستور الأيرلندي المقاطعات الست من شمال أيرلندا كجزء من جمهورية أيرلندا حتى سنة 1998. فكانت القضية هي إما أن تبقى أيرلندا الشمالية تابعة للمملكة المتحدة أو تنضم إلى الجمهورية الأيرلندية مما قسم شعب أيرلندا الشمالية وأدى إلى صراع طويل ودامي عرف (تروبلز) أو المشاكل. على كل حال جلب اتفاق الجمعة العظيمة في سنة 1998 إلى إيقاف النار بين معظم المنظمات الرئيسية من كلا الطرفين، مما أضفى جوا من الأمل للتوصل إلى قرار سلام بينهما. وبالنهايه بريطانيا الأولى بالعالم

انتهاء الاستعمار والانحدار

أدى ظهور الحركات القومية المناهضة للمستعمرات البريطانية وتغير الوضع الاقتصادي في العالم في النصف الأول من القرن العشرين إلى تحدي القوة الاستعمارية التي استحوذت الآن بشكل متزايد على صميم قضايا الوطن. شارفت نهاية الإمبراطورية في بداية اندلاع الحرب العالمية الثانية، عندما ربطت اتفاقية بين الحكومة البريطانية وقادة حركة الاستقلال الهندية، وبذلك تعاون الهنود وبإخلاص خلال الحرب، بعد ضمان حصوله على استقلال فيما بعد. أعلنت الهند استقلالها في شهر أغسطس من سنة 1947. بعد العقدين التاليين أصبحت معظم المستعمرات السابقة مستقلة.

السيادات

تركت جهود بريطانيا أثناء الحرب العالمية الثانية من الدولة كيانا مرهقا لتجد حلفائها السابقين غير راغبين في مساندة المستعمرة status quo. على الرغم من الانتصار الواضح لبريطانيا وللإمبراطورية في الحرب العالمية الثانية، فإن التكلفة الاقتصادية للحرب كانت أكبر بكثير من سابقتها في الحرب العالمية الأولى. قذفت بريطانيا بالقنابل بشدة وكلفت حرب التوناج الإمبراطورية تقريبا كل اسطولها التجاري. وقد فاقمت وأتلفت حالة القيادة التجارية والمالية المتردية من أهمية السيادات والولايات المتحدة كمصدر للمساعدة العسكرية. إعلان بريطانيا للعداء مع ألمانيا في أيلول سنة 1939 لم يلزم الدول المستقلة أتوماتيكيا. أعلنت جميع الدول ما عدا أستراليا وأيرلندا الحرب. فاوضت دولة أيرلندا الحرة حول نقل الأسطول الملكي من معاهدة الموانئ قبل سنة، واختارت البقاء محايدة قانونيا أثناء الحرب. خاضت أستراليا الحرب تحت الراية البريطانية، ومع التصرف غير المسبوق لرئيس الوزراء الأسترالي جون كورتن في سنة 1942 في طلبه الناجح لاستعادة خدمة الوطن للجنود الأستراليين التي خصصت للدفاع عن ظهور عقد بورما البريطاني حيث لا يتوقع من الحكومات المسيطرة إخضاع اهتماماتهم المحلية لوجهة النظر الإستراتيجية البريطانية. بعد الحرب، شاركت كل من أستراليا ونيوزيلندا الولايات المتحدة في معاهدة أنزوس للأمن الأقليمي في سنة 1951 (رغم رفض الولايات المتحدة لالتزاماتها تجاه نيوزيلندا تماشيا مع نزاع سنة 1985 حول الوصول إلى ميناء السفن النووية). أدت ملاحقة بريطانيا (من 1962) وأحرز (1973) لعضوية المجتمع الأوروبي إلى إضعاف الروابط التجارية القديمة للحكومات المسيطرة، لتنهي عبورها الممتاز للسوق البريطانية. في شهر كانون الثاني من سنة 1947 أصبحت كندا أول المستعمرات التي طالبت بقوميتها كمواطنين عوضا عن السيطرة البريطانية. استقلت كندا بشكل تام في سنة 1982 مع الانتماء للدستور الوطني.

الهند وأفريقيا وأسيا والمحيط الهادئ والكاريبي

أدرك العديدون بعد أزمة ما بعد الحرب الاقتصادية في عام 1947 أن حكومة العمال لكليمينت أتليي يتوجب عليها ترك المحاولة البريطانية في استعادة جميع مستعمراتها في ما وراء البحار. اعتبرت الإمبراطورية بشكل متزايد كاستنزاف غير مجدي للموارد المالية من قبل السياسيين والخدمة المدنية، إن لم يكن الشعب برمته.

أنهى استقلال الهند في سنة 1947 صراع الكونغرس الوطني الهندي الذي دام أربعون سنة، أولا للحصول على حكومة ذاتية ولاحقا الحصول على سيادة تامة، على الرغم من أن تقسيم الأرض إلى الهند وباكستان أدى إلى العنف الذي كلف مئات الألوف من الأرواح. تقبل بريطانيا وغيرها من دول السيادة تبني الهند للوضع الجمهوري في سنة 1950 اعتبر الآن كبداية لكمونويلث جديد. وبسبب هذا التصريح فإن 53 من جمهوريات الكمونويلث هي أعضاء في الكمونويلث.

في كل من الكاريبي وأفريقيا وآسيا والباسيفيك تم إتمام فك مستعمرات ما بعد الحرب بسرعة غير ملائمة في وجه القوة المتزايدة (وفي بعض الأحيان الصراع المتبادل) للحركة القومية حيث كانت بريطانيا تقاتل قليلا لاستعادة أي أرض. عرضت أزمة قناة السويس لسنة 1956 الحدود البريطانية إلى درجة مخزية حيث عارضت الولايات المتحدة تدخل كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل في مصر، بادية كمغامرة مشؤومة عرضت الاهتمامات الأمريكية للخطر في الشرق الأوسط.

استقلت سنغافورة على مرحلتين. لم يعتقد البريطانيون أن سنغافورة كبيرة بما يكفي لتدافع عن نفسها ضد الآخرين منفردة. لذلك انضمت سنغافورة مع مالايو وسراوق وشمال بورنيو ليشكلوا ماليزيا إلى حين الاستقلال عن الإمبراطورية. فكت هذه الوحدة التي دامت لفترة قصيرة في سنة 1965 عندما طردت ماليزيا سنغافورة لتحقق استقلالا كاملا.

حققت بورما استقلالها في سنة 1948 لتخرج عن الكمونويلث؛ فكانت بورما أول مستعمرة تقطع جميع صلاتها مع البريطانيين؛ سيلون في سنة 1948 وملايو في سنة 1957 داخلها. انتهى الانتداب البريطاني على فلسطين في سنة 1948 بانسحابها وإشعال الحرب بين المستعمرين اليهود والسكان العرب. في البحر الأبيض المتوسط شن القبارصة اليونانيون حرب العصابات وهم أنصار الاتحاد مع اليونان الذي انتهى سنة 1960 باستقلال قبرص، وبالرغم من استعادة بريطانيا لقاعدتين عسكريتين هما أكروتيريا وديكيليا. استقلت جزيرتي مالطا وجوزو في البحر المتوسط عن بريطانيا في سنة 1964.

صاحب نهاية الإمبراطورية البريطانية تسارع استثنائي، مما ترك الدول حديثة الاستقلال بتجهيزات ضعيفة لا تمكنها من مواجهة تحديات السيادة: كان استقلال غانا في سنة (1957) بعد عشر سنين من الحملة القومية السياسية تبعتها استقلال كل من نيجيريا والصومال في سنة (1960)، وسيراليون وتانجانيكا في عام (1961)، وأوغندة في سنة (1962) وكينيا وزانزيبار في سنة (1963) وغامبيا سنة (1965) وليسوثو (باسوتولاند سابقا) في سنة (1966) وبوتسوانا (بيتشونالاند سابقا) في سنة (1967) وسويزيرلاند في سنة (1968). تكمن الصعوبة في الانسحاب البريطاني من الأجزاء الجنوبية والغربية من أفريقيا بوجود السكان البيض في المنطقة: أعطت كينيا مثلا واضحا في ماو بتزايد الصراع العنيف في ماو حيث تفاقم بسبب وجود ملاك الأرض البيض ورفض الإذعان لحكم الأغلبية. بقي حكم الأقلية البيض في جنوب أفريقيا مصدرا للإزعاج في الكمونويلث إلى أن غادر اتحاد جنوب أفريقيا الكمونويلث في سنة 1961. على الرغم من انتهاء سيادة البيض للاتحاد الفدرالي لروديسيا ونياسالاند باستقلال مالاوي (نياسالاند سابقا) وزامبيا (روديسيا الشمالية سابقا) في سنة 1964، أعلن الأقلية البيض في جنوب روديسيا (مستعمرة مستقلة منذ 1923) الاستقلال مع UDI على أن تستسلم للحكم المباشر للأغلبية السود من الأفارقة. ساعد دعم حكومة جنوب أفريقيا المتحيزة للبيض وحكم البرتغاليين لأنغولا وموزنبيق في مساندة حكم الروديسيين حتى سنة 1979، عندما توصل الاتفاق إلى حكم الأغلبية منهيا حرب بروش الروديسية وإيجاد دولة جديدة في زيمبابوي.

اختيرت معظم أراضي بريطانيا الكاريبية لتستقل منفصلة بشكل نهائي بعد فشل اتحاد جزر الهند الغربية سنة (1958-62):في حين تبعت جمايكا وترينيداد وتوباجو في سنة (1962) باربادوس لتصبح دولة في سنة (1966) وكذلك الجزر الصغيرة للكاريبي الشرقي في سنة (1970 و1980). أصبحت هوندوراس البريطانية وهي مستعمرة بريطاني الأخيرة في الجزيرة الأمريكية مستعمرة ذات حكم مستقل في سنة 1964 وأعيدت تسميتها ليصبح اسمها بيليز في الأول من شهر حزيران في سنة 1973 لتحقق استقلالها التام في سنة 1981. وقد تعرضت أراضي الباسيفيك البريطانية الغربية لعملية استقلال مشابهة مثل جزر جيلبرت (والتي شهدت آخر محاولة في الاستعمار الإنساني ضمن الإمبراطورية – مخطط مستوطنة جزر الفونكس).

باستجماع الدول المتحررة من الاستعمار والحرب الباردة لقوتها خلال سنة 1950 لم يتبقى للملكة المتحدة سوى صخرة غير مأهولة في المحيط الأطلنطي تدعى روكول. وبتخوف البريطانيين من استخدام الاتحاد السوفيتي للصخرة في تجسسهم على اختبارات الأسلحة البريطانية قامت بريطانيا بتشجيع الأسطول البحري لهبوط حزب وتسمية الصخرة رسميا باسم الملكة في عام 1955. في سنة 1972 أدى قانون روكول للجزيرة إلى دمج هذه الجزيرة رسميا مع المملكة المتحدة.

في سنة 1982 وضع قرار بريطانيا في الدفاع عن ما تبقى لها من أراضي تحت الاختبار حين قامت الأرجنتين بغزو جزر فوكلاند معتمدين في ذلك على إدعائهم العودة للإمبراطورية الإسبانية. استجابة القوى البريطانية الناجحة في نهاية المطاف لتحرير الجزر خلال فترة ما بعد حرب الفوكلاند مما حرض الصحف الأمريكية لأن تكتب في عناوينها الرئيسية بأن " الإمبراطورية ترد الهجوم"، مما ظهر للعديدين أنه ساهم في قلب التوجه التراجعي في مكانة إنجلترا كدولة عظمى.

في سنة 1984, أنهت بريطانيا وضعها كحامية لبروني، وذلك على الرغم من الجيش البريطاني قام بالحماية للسلطنة تحت طلب من حكومة بروني. وفي سنة 1997, وقد أصبحت آخر مستعمرة بريطانية في ما وراء البحار وهي هون كونج كمنطقة إدارية خاصة للصين الشعبية خاضع لما يسمى بإعلان صيني بريطاني مشترك تم الموافقة عليه قبل ثلاثين سنة.

التراث

احتفظت بريطانيا بسيطرتها على ما يزيد على أربعة عشر دولة خارج الجزر البريطانية تسمى بمجموعها بأراضي ما وراء البحار البريطانية. يشكل معظم المستعمرات البريطانية السابقة (وواحدة من مستعمرات البرتغال السابقة) أعضاء في كمونولث الأمم، ويعتبر غير سياسي بل تجمع تطوعي لأعضاء متساوين. وبالرغم من أن رئيس الكمونويلث حاليا هو ذاتها الرئيسة البريطانية للدولة ،الملكة إليزابيث الثانية، حيث أن وريثها لن يخلفها أوتوماتيكيا، ولا تملك بريطانيا أي امتياز داخل الكمونويلث. فقد تتابع خمس عشرة عضوا في الكمنويلث في مشاركة رؤساء الدولة لديهم مع بريطانيا، عوالم الكمونويلث.

مصادر

  1. Ferguson 2004b.
  2. Maddison 2001, pp. 97 "The total population of the Empire was 412 million [in 1913]", 241 "[World population in 1913 (in thousands):] 1 791 020".
  3. Rein Taagepera (September 1997). "Expansion and Contraction Patterns of Large Polities: Context for Russia". International Studies Quarterly. 41 (3): 502. JSTOR 2600793. doi:10.1111/0020-8833.00053.
  4. "The World Factbook — Central Intelligence Agency". www.cia.gov. اطلع عليه بتاريخ 10 سبتمبر 2016. land: 148.94 million sq km
  5. Russo 2012, p. 15 chapter 1 'Great Expectations': "The dramatic rise in Spanish fortunes sparked both envy and fear among northern, mostly Protestant, Europeans.".
  6. 1 2 3 Ferguson 2004b, p. 3.
  7. Tellier, L.-N. (2009). Urban World History: an Economic and Geographical Perspective. Quebec: PUQ. p. 463. (ردمك 2-7605-1588-5).
  8. Johnston, pp. 508–10.
  9. 1 2 Porter, p. 332.
  10. Sondhaus, L. (2004). Navies in Modern World History. London: Reaktion Books. p. 9. (ردمك 1-86189-202-0).
  11. Porter، Andrew (1998). The Nineteenth Century, The Oxford History of the British Empire Volume III. Oxford University Press. صفحة 332. ISBN 0-19-924678-5.
  12. "The Workshop of the World". BBC History. اطلع عليه بتاريخ 28 أبريل 2013.
  13. Porter، Andrew (1998). The Nineteenth Century, The Oxford History of the British Empire Volume III. Oxford University Press. صفحة 8. ISBN 0-19-924678-5.
  14. Marshall، P.J. (1996). The Cambridge Illustrated History of the British Empire. Cambridge University Press. صفحات 156–57. ISBN 0-521-00254-0.
  15. Tompson، Richard S. (2003). Great Britain: a reference guide from the Renaissance to the present. New York: Facts on File. صفحة 63. ISBN 978-0-8160-4474-0.
  16. Hosch, William L. (2009). World War I: People, Politics, and Power. America at War. New York: Britannica Educational Publishing. صفحة 21. ISBN 978-1-61530-048-8.
  17. Brendon, p. 660.
  18. "Charles' diary lays thoughts bare". BBC News. 22 February 2006. اطلع عليه بتاريخ 13 ديسمبر 2008.
  19. Brown, p. 594.
  20. "Britain, the Commonwealth and the End of Empire". BBC News. اطلع عليه بتاريخ 13 ديسمبر 2008.
  21. Andrews 1985, p. 45.
  22. Ferguson 2004b, p. 4.
  23. Canny, p. 35.
  24. Koebner، Richard (May 1953). "The Imperial Crown of This Realm: Henry VIII, Constantine the Great, and Polydore Vergil". Historical Research. 26 (73): 29–52. ISSN 1468-2281. doi:10.1111/j.1468-2281.1953.tb02124.x.
  25. Thomas, pp. 155–58
  26. Ferguson 2004b, p. 7.
  27. Canny, p. 62.
  28. Lloyd, pp. 4–8.
  29. Canny, p. 7.
  30. Kenny, p. 5.
  31. Taylor, pp. 119,123.
  32. Andrews, p. 187.
  33. Andrews, p. 188.
  34. Canny, p. 63.
  35. Canny, pp. 63–64.
  36. Canny, p. 70.
  37. Canny, p. 34.
  38. Magnusson, p. 531.
  39. Macaulay, p. 509.
  40. James, p. 17.
  41. Canny, p. 71.
  42. Canny, p. 221.
  43. Lloyd, pp. 22–23.
  44. Lloyd, p. 32.
  45. Lloyd, pp. 33, 43.
  46. Lloyd, pp. 15–20.
  47. Andrews, pp. 316, 324–26.
  48. Andrews, pp. 20–22.
  49. James, p. 8.
  50. Lloyd, p. 40.
  51. Ferguson 2004b, pp. 72–73.
  52. 1 2 Buckner, p. 25.
  53. Lloyd, p. 37.
  54. Ferguson 2004b, p. 62.
  55. Canny, p. 228.
  56. Marshall, pp. 440–64.
  57. Lloyd, p. 13.
  58. 1 2 Ferguson 2004b, p. 19.
  59. Canny, p. 441.
  60. Pagden, p. 90.
  61. 1 2 Shennan, pp. 11–17.
  62. James, p. 58.
  63. Smith, p. 17.
  64. Bandyopādhyāẏa, pp. 49–52
  65. Smith, pp. 18–19.
  66. 1 2 Pagden, p. 91.
  67. Ferguson 2004b, p. 84.
  68. Marshall, pp. 312–23.
  69. Canny, p. 92.
  70. James, p. 120.
  71. James, p. 119.
  72. Marshall, p. 585.
  73. Zolberg, p. 496.
  74. Games, pp. 46–48.
  75. Kelley & Trebilcock, p. 43.
  76. Smith, p. 28.
  77. Latimer, pp. 8, 30–34, 389–92.
  78. Marshall, pp. 388.
  79. Smith, p. 20.
  80. Smith, pp. 20–21.
  81. Mulligan & Hill, pp. 20–23.
  82. Peters, pp. 5–23.
  83. James, p. 142.
  84. Britain and the Dominions, p. 159.
  85. Fieldhouse, pp. 145–49
  86. Cervero، Robert B. (1998). The Transit Metropolis: A Global Inquiry. Chicago: Island Press. صفحة 320. ISBN 1-55963-591-6.
  87. Statesmen's Year Book 1889
  88. Smith, p. 45.
  89. "Waitangi Day". History Group, New Zealand Ministry for Culture and Heritage. اطلع عليه بتاريخ 13 ديسمبر 2008.
  90. Porter, p. 579.
  91. Mein Smith, p. 49.
  92. James, p. 152.
  93. Lloyd, pp. 115–118.
  94. James, p. 165.
  95. "Why was Slavery finally abolished in the British Empire?". The Abolition Project. اطلع عليه بتاريخ 31 ديسمبر 2016.
  96. Porter, p. 14.
  97. Hinks, p. 129.
  98. Hyam, p. 1.
  99. Smith, p. 71.
  100. Parsons, p. 3.
  101. 1 2 Porter, p. 401.
  102. Lee 1994, pp. 254–57.
  103. Porter, p. 8.
  104. Marshall, pp. 156–57.
  105. Dalziel, pp. 88–91.
  106. Mori, p. 178.
  107. Martin, pp. 146–48.
  108. Janin, p. 28.
  109. Keay, p. 393
  110. Parsons, pp. 44–46.
  111. Smith, pp. 50–57.
  112. Brown, p. 5.
  113. Marshall, pp. 133–34.
  114. Hopkirk, pp. 1–12.
  115. James, p. 181.
  116. 1 2 3 James, p. 182.
  117. Royle, preface.
  118. Williams، Beryl J. (1966). "The Strategic Background to the Anglo-Russian Entente of August 1907". The Historical Journal. 9 (3): 360–73. JSTOR 2637986. doi:10.1017/S0018246X00026698.
  119. Hodge, p. 47.
  120. Smith, p. 85.
  121. Smith, pp. 85–86.
  122. Lloyd, pp. 168, 186, 243.
  123. Lloyd, p. 255.
  124. Tilby, p. 256.
  125. Roger 1986, p. 718.
  126. Ferguson 2004b, pp. 230–33.
  127. James, p. 274.
  128. "Treaties". Egypt Ministry of Foreign Affairs. تمت أرشفته من الأصل في 15 September 2010. اطلع عليه بتاريخ 20 أكتوبر 2010.
  129. Herbst, pp. 71–72.
  130. Vandervort, pp. 169–83.
  131. James, p. 298.
  132. Lloyd, p. 215.
  133. "The Royal Navy".
  134. Smith, pp. 28–29.
  135. Porter, p. 187
  136. Smith, p. 30.
  137. Rhodes, Wanna & Weller, pp. 5–15.
  138. Lloyd, p. 213
  139. 1 2 James, p. 315.
  140. Smith, p. 92.
  141. O'Brien, p. 1.
  142. Brown, p. 667.
  143. Lloyd, p. 275.
  144. Brown, pp. 494–95.
  145. Marshall, pp. 78–79.
  146. Lloyd, p. 277.
  147. Lloyd, p. 278.
  • بوابة التاريخ
  • بوابة الإمبراطورية البريطانية
This article is issued from Wikipedia. The text is licensed under Creative Commons - Attribution - Sharealike. Additional terms may apply for the media files.